تاريخ اليوم
خبر عاجل | رأي و تحليل | نيوز

رسالة من صحفي إلى وزير الإعلام

نشر مركز فيريل للدراسات الاستراتيجية رسالة موجهة من صحفي لوزير الإعلام بطرس حلّاق.

وجاء في الرسالة:

بعد عملٍ لثمان وعشرين عاماً متواصلة في وزارة الإعلام، لكَ أن تتخيل أنا الصحفي الذي يُجري لقاءاتٍ شبه يومية، محروم من الاستحمام لعدم توفر الكهرباء أو الماء أو الإثنين معاً، ربما عليّ أن أكتفي بالتيمم.

لكَ أن تتصور يا سعادة الوزير كيف يُسخن الماء بالطرق البدائية لننال بعض النظافة في هذا الزمن القذر.

ربما تعلم أنّ أسطوانة الغاز الفارغة ثمنها أكبر من راتبي الشهري، وبمقدورك تقدير الحالة النفسية لانتظارك رسائل تنذرك أو تُخبرك أو توصلك لشعور يماثل النشوة، وربما الرعشة، أنّ مخصصاتك الموسمية من جرة الغاز أو الـ50 ليتراً من المازوت أو غيرها من “الصدقات الحكومية” يتوجب عليك استلامها خلال 24 ساعة من تاريخ وصول الرسالة إلى هاتفك، وإلا عدتَ إلى “المربع الأول” من الانتظار، هذا على فرض وصلتك الرسائل أساساً.

لا توجد مشكلة أن تبرد أو تجوع أو تتسول، انتظر الرسالة ولكن إياك أن تمرض، فالدواء سيقتلك عندما تعرف أن ثمنه يعادل مرتبك الأسبوعي وربما الشهري، وقبل أن تفكر في الهجرة كن عاقلاً وتحلى بالوعي، فدفترك الكحلي اللون والمسمى جواز سفر يعادل استصداره أو تجديده راتبك السنوي، أو فلتنتظر رحمة منصة تُفتح بالفساد وتغلق على الفساد، حالها حال بلد يُشرقُ على فساد ويغرب على ظلام وينام على جريمة.

باختصار ؛ أصبحنا، وكما أرادوا، نُلبي الدعوة العامة لارتكاب الجنح والجنايات وربما الجرائم كي نأكل ونشرب، والأصح كي لا نموت. أهذا ما تريدهُ “الحكومة الرشيدة”؟

ما فشلَ بتحقيقه مئات الآلاف من الإرهابيين، تحققه لهم الحكومة الرشيدة مجاناً!

إن كانوا يظنّونَ أنّ تصويرَ مظاهر الضعف والانحطاط والفقر بطريقة التسول والاستجداء، ستُحرّكُ وجدان أعدائنا وتوقظُ ضمائرهم، فبئسَ الظنّ. هذه المظاهر ستزيدهم غيّاً وعدواناً، يترافق هذا العدوان الداخلي والخارجي مع صمت “غير طبيعي” من “الكبار” على إجراءات وقرارات حكومية توصل سوريا إلى مراحل عجز عنها الأعداء عسكرياً.

كافة حكومات العالم “المأزومة” تُشغلُ شعوبها بطرق أقل ما يُقال عنها “وقحة”. حكومتنا الرشيدة دعت مواطنيها لتقدير الأمور عندما شعرت أن الغليان الشعبي وصل إلى حدّ الإنفجار، لكنها لم تتجرأ أن تطلب من تجارها وفاسديها تقدير الأوضاع، بل تشاركهم أفراحهم وتقيم العزاء لأحزانهم ويسيل لُعابها على موائدهم.

أين هي وزارة الإعلام يا سيادة الوزير؟

بعد هذه المقدمة المزعجة وهي جزء من واقعنا المرير الذي لا يسمع عنه أصحاب المعالي، فإذا كان وزير المعارف قد “اندهش” لعدم وجود المازوت في المدرسة، بالتأكيد ستندهشون إن عرفتم عن واقع موظفيكم. هنا نسألُ: أين هو إعلامنا وما دورهُ في تصحيح الخراب الذي أصاب البشر والحجر؟

تفاءلنا بكَ يا سيادة الوزير كثيراً كونك ابن كلية الإعلام وعميدها وأستاذ العلاقات العامة، أنتَ الذي ستجعلنا نعمل بحرية لنُصبحَ أكثر قُرباً من مشاكل المواطن وهمومهِ. أنتَ الذي ستُحسّنُ ظروف عملنا وستغيّر قانون الإعلام “الخشبي”.

رئاسة الحكومة ومنذ يومك الأول، تحدثت عن ضرورة التعاون مع وزارة الإعلام وكوادرها ودعمهم في الكتابة والتحقيق بمكامن الفساد والخلل والإهمال، وأنّ هذا قرار رئاسي.

لن تُجيبنا على أسئلتنا وكذلك لن تفعلها رئاسة مجلس الوزراء، لكننا سنطرح هذه الأسئلة وعليكم التفكير بها. لن نغوص عميقاً في طلباتنا مُقدرين حجم ومساحة الحرية المعطاة لسيادتك.

وزارة الإعلام من أهم الوزارات التي تقع على عاتقها عدة مهمات أساسية تجعل الرباط قائماً بين المواطن والحكومة، أو تقطعهُ نهائياً، متى كانت آخر مرة تابعت أوضاع وزارتك ومؤسساتها؟ هل سمعت عن ملف التعيينات والترقيات وعلى أيّ أساس تمت؟ هل تقرأ محتوى سياسة النشر الإعلامية ؟ هل يطبق في وزارتك الإصلاح الاداري ؟ هل قابلت أحد الصحفيين أو سمحت لهم بمشاهدتك واستمعت لمشاكلهم أم أن تواجدك في كلية الاعلام أهم من كافة الأمور الثانوية السابقة؟

قمتم بتحجيم النفقات على حساب العاملين في مؤسسات وزارتك، حتى تعويضاتهم لم تشملها الزيادات الأخيرة، نصف الإعلاميين على الأقل لا مبيت لهم ورواتبهم لا تكفي أجور النقل العام، بينما تنعمون وباقي الوزراء وأبناءهم وأتباعهم وأقاربهم والمدراء والمعاونين ومدراء الأقسام والدوائر ونوابهم ومعاونيهم ووو… بأسطول سيارات يصلها نصيبها من البنزين بأريحية، رغم العقوبات… يا سبحان الله.

ربما قيل لكم أنّ مخصصات سياراتكم التي (خفضت مخصصاتها) قد تم تعويضها من مخصصات سيارات الخدمة والمبيت، إن قيل لكم هذا، فهو كذب، ونرجو أن لا نضطر لذكر أنواع وأرقام لوحات السيارات، وكي لا نتوسع أكثر بملفات الفساد في كافة الوزارات عموماً وفي وزارة الاعلام خصوصاً، وكي لا نحيط بتفاصيل الإهمال المتعمد ويقال أننا نجلد بالأسئلة.

الوضع الإعلامي في البلاد كارثي يا سيادة الوزير؛ أرباب الفساد يستطيعون تصوير لقاءاتهم وكتابة تقاريرهم الصحفية بيسر وحتى دون إذن، بينما أصحاب الاختصاص يحتاجون مجلداً من الموافقات لإعداد تقرير صحفي خجول، هل هذه توجيهات منكَ يا سيادة الوزير أم هو تصرّفٌ شخصي من المدراء؟

هل تعلم أنّ عدة مدراء ورؤساء أقسام يحملون شهادات لا علاقة لها لا من قريب أو من بعيد بالإعلام وليس لديهم خبرة في مجال الإعلام سوى الواسطة؟

نغوص قليلاً الآن؛ هل سُمِحَ لكَ بمشاهدة ملفات الفساد في وزارتك؟ معالي الوزير اسأل عمّا يحصل في الوزارة والمؤسسات الاعلامية المسؤول عنها، اسأل عن الصحفيين المصادرة أقلامهم وأفكارهم وعن الإعلاميين المكمومة أفواههم، والموظفين المسلوبة حقوقهم.

نغوص أعمق؛ هل ما يقرأه الشارع السوري أخطاء فردية من مدرائك أم هي توجيهات وأوامر عليا؟

لن أقارن وزارة إعلامنا بوزارة دولة أخرى بل بصفحة فيس بوك أو قناة يوتيوب. كي لا يُقال إنّ تمويل الوزارات في الدول الأخرى كبير.

تخيّل يا سيادة الوزير هذه المقارنة، وزارة الإعلام مع قناة يوتيوب!

كم هو عدد مشاهدي قنواتنا الفضائية؟ كم شخص يشاهد أي فيديو تضعه مؤسسة إعلامية تابعة لوزارتكم؟ كم مُشاهد يثق بنشرات أخبارنا؟ الحقيقة، أرقام مخجلة.

خلال ثلاثة ايام شاهد لقاء رئيس الوزراء 61 شخصاً، نحن منهم! لماذا؟

الإعلام إن تمّ توجيهه وإدارته بخبرة وحرية وبرأس مال بسيط، يمكنهُ انتشال البلاد من العبثية والفوضى الإعلامية، ويمكنهُ محاربة الفساد المستشري في كل زاوية من زوايا المؤسسات الرسمية، الصحفي أو الإعلامي يمكنهُ أن يقوم بما لا تسطيع وزارة الداخلية الموقرة القيام به في مجال التحقيقات، والأمثلة كثيرة.

صدر تصريح من وزارتكم ينفي علمكم بتصوير جرى في دمشق أجراهُ شخص يرتدي ملابس طالبان، يصوّر ويبث ما أسماه مساعدته للناس. والحقيقة هو التشهير بعوزهم وفقرهم وإذلالهم. إن كنتم لا تعلمون بما يجري في غرف وزارتكم المغلقة، فهل ستعلمون ما يجري في شوارع دمشق؟!

عندما يتحدث صحفي عن هموم المواطن، يُتهم بوهن عزيمة الأمة، ويُرمى في السجن لأنه عميل للإمبريالية والصهيونية، وهذا الذي يرتدي ملابس طالبان “يُقوّي” الأمة. أية أمة هذه، ولأي وزارة يتبعُ هذا الطالباني؟!

سيادة الوزير ؛ عليكَ الاهتمام ببيتك الداخلي، قم بتجديده وفق أسس علمية متطورة، حارب الفساد، اهدم بيوت العناكب، أغلق جحور الفئران، فإن لم يُسمح لكَ، فيكفيكَ شرفُ المحاولة، ساعتها؛ هي ورقة وقلم وسطران، وسوف يذكرك التاريخ بأنك أول وزير شجاع يُقدّم استقالته من حكومة تقفُ في خندق الأعداء وتُحاربُ الشعب السوري.

صحفي سوري، وزارة الإعلام.

المصدر: مركز فيريل للدراسات الاستراتيجية

طريقك الصحيح نحو الحقيقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

69 − = 65