قسوة في غير محلها..؟!
خاص حلب – رحاب الإبراهيم
منذ قدمت إلى مدينة حلب قبل خمس سنوات تقريباً، ومازلت أسمع المشكلات ذاتها التي يطرحها صناعيوها أمام وزراء الصناعة حينما يزورون العاصمة الاقتصادية ويجولون على منشآتها الصناعية العامة والخاصة، حيث تعاقب على حمل هذه الحقيبة بتركتها الثقيلة 3 وزراء من أبناء المدينة، ما يحملهم مسؤولية مضاعفة كونهم يعرفون عن قرب هموم أهل الصناعة والإنتاج، الذين يسمعون للأسف في كل مرة الحديث الداعم ذاته للصناعة وأهميتها في النهوض والإنقاذ من دون حلحلة فعلية للصعوبات المتراكمة، التي تسببت بإيقاف منشآت عديدة وهجرة صناعييها، في إسفين جديد يدق في نعش الصناعة المحلية وخاصة عند ظفر دول عربية وأجنبية بخبرات الصناعيين المهاجرين وتقوية اقتصادهم بينما نفرط بهم بكل بساطة.
واقع الصناعة الحلبية في أسوأ حالاتها اليوم، ورغم ضرر ذلك على الاقتصاد المحلي والمعيشة عموماً، لا نرى تغيراً في طريقة التعاطي مع معالجة مشاكل الصناعة المحلية عموماً وحلب خصوصاً، مع أن الكل متفق على أن الإنتاج السبيل الوحيد للخروج من الكارثة الاقتصادية المتفاقمة، فمنذ يومين حط وزير الصناعة رحاله في المدينة واطلع على حال منشآت القطاع العام الصناعي المتوقفة في أغلبها بسبب عدم القدرة على إعادة تأهيلها جراء تكلفتها العالية، إضافة إلى لقاء صناعيي غرفة صناعة حلب، وبناء على الخبر الموزع على وسائل الاعلام، كونه لم تتم دعوة الإعلاميين لحضور أي من الاجتماعات أو الجولات، قرأنا عرض الصناعيين للمشاكل ذاتها، والرد ذاته المتمحور حول أهمية الصناعة ودورها وضرورة دعمها، باستثناء نية وزارة الصناعة إعداد رؤية استراتيجية للصناعة الوطنية من عام 2024 وحتى 2030، وهذه خطوة جيدة نأمل أن تجد طريقها للتنفيذ بأسرع وقت، وألا تكون كغيرها من الاستراتيجيات التي غالباً ما تضع في الأدراج من دون تنفيذ ينصف الصناعة المحلية وأهلها المنتجين.
وحتى نرى ثمار هذه الاستراتيجية، يحق لنا التساؤل عن أسباب عدم اتخاذ قرارات على المدى القريب تدعم الصناعة بحلب طالما صناع القرار مقتنعين بأهمية العاصمة الاقتصادية وصناعتها وأن الإنتاج يعد الحل لمأساتنا، ولماذا لا تصدر خطوات فاعلة انسجاماً مع المرسوم الصادر باعتبار مدينة حلب والمدن الثلاث الأخرى المتضررة من الزلزال مدناً منكوبة، وما يعني ذلك من إعفاء أو أقله تخفيف الضرائب على كاهل أهل الإنتاج لمدة زمنية معينة لحين معاودة الإنتاج بطاقة أكبر تساعدها على المنافسة في الأسواق الداخلية والخارجية، فهذه الخطوة تبقى أنفع من سياسة الجباية المرهقة، مع إصدار قرارات مدروسة حول تمويل المواد الأولية اللازمة للصناعة بعيداً عن آلية عمل المنصة المربكة، والأهم العمل جدياً على تثبيت سعر الصرف، وليس اللحاق بالسوق السوداء، وهذا يحققه الإنتاج فقط وليس تحصيل الضرائب ورفع أسعار المحروقات، وبالتزامن مع ذلك تحقيق استقرار بمد المناطق الصناعية بالكهرباء بصورة متتابعة بدل الانقطاع المتكرر المؤذي، الذي ندفع ضريبته من معيشتنا واقتصادنا المنهك.
إنقاذ الصناعة المحلية والحلبية خاصة لا يتطلب زيارات مكوكية باجتماعاتها المتكررة كل فترة وإسماع أهل الصناعة والإنتاج ذات الكلام، فالمطلوب اليوم الانصات للصناعيين المنتجين والاستجابة لطلباتها ضمن الإمكانات المتاحة، فكما يقال إذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع، ولا أظن أن المنتجين يطلبون أموراً غير قابلة للتنفيذ، فلو طبقت توصيات المؤتمر الصناعي الثالث لما وصلنا إلى هذا الدرك الصعب، بالتالي بعض الإصغاء وتنفيذ مطالب الصناعيين المنتجين المحقة ينفع ولا يضر، ولاسيما أن الجميع مل سماع الحجج ذاتها وحفظها عن ظهر قلب، ولا يمكن الاختبار خلف الحصار دوماً في ظل هذه الظروف الصعبة، التي تتطلب معالجة نوعية من خارج الصندوق كما فعلت دول كثيرة حينما حولت الحصار إلى ورقة رابحة وبنت اقتصاداً قوياً بالاعتماد على الموارد الذاتية، وهو الخيار الأجدى لنا سواء خلال أيام الحرب أو الرخاء، وإن انكسرت جيوب وخواطر مناصري الاستيراد وأهل الفساد.
طريقك الصحيح نحو الحقيقة